رفيق العجم
مقدمة 27
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
إلى فلان في حاجة . . . » « 1 » فالسبب هو الواسطة بين شيئين . لهذا يمكن اعتبار أن للسبب ذاتا . أما العلّة فهي صفة للذات ، فهي تعني المؤثّر في النوع والتتالي ونبع الشيء ، لكنها ليست ذاتا قائمة بنفسها « 2 » . والتولّد لم يعن السببية أيضا ، بل الواسطة وليس التأثير ، لأن التأثير لا يصدر إلا عن قادر والقادر هو اللّه . ويتعمّق الموقف من السببية والتعليل لدى الأشاعرة ، وكله شكل من أشكال العودة بالفعل الأساسي إلى النقطة المركزية الكونية للخالق . مثلما هي العودة بالأمر والسلطة للخليفة وتثبيت مركزيته وإرادته . فيبلور الغزالي التتابع الشكلي ويرى فيه عادة وليس فعلا فاعلا . وتشير ألفاظ العادة والأمارة واللزوم إلى هذه الأبعاد ، في دلالتها اللغوية وفي مجال الاصطلاح عليها واستخدامها ، وتعبّر عن الطبيعة المعرفية العربية والإسلامية عموما وعند الغزالي خصوصا . إن « الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وبين ما يعتقد مسبّبا ليس ضروريّا عندنا ، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ، ولا إثبات أحدهما متضمّنا لإثبات الآخر ولا نفيه متضمّنا لنفي الآخر . . . مثل الري والشرب والشبع والأكل والإحراق ولقاء النار . . . فإن اقترانها لما سبق من تقدير اللّه سبحانه بخلقها على التساوق ، لا لكونه ضروريّا في نفسه غير قابل للفوت ، بل في المقدور ، خلق - اللّه - الشبع دون الأكل . . . » « 3 » فالسبب والتتابع ليست أمورا واجبة في الطبيعة ، بل هي ممكنة يجوز أن تقع « ويجوز أن لا تقع ، واستمرار العادة مرة بعد أخرى يرسّخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية » « 4 » . ويعود البعض بهذا المفهوم إلى ميزة عميقة في المعرفية الإسلامية ، شملت فكر المعتزلة وأهل السنّة وابن تيمية ، بل يرجع ذلك إلى الموقف الإسمي الفلسفي في الفكر اليوناني بنبعة أفراده السامية وطبعهم الشرقي على الأرجح « 5 » . وحجّة الأشاعرة في تشديد النكير على القائلين بالسببية أنه « لو كان الإسكار والإحراق والتبريد والتسخين والشبع والري وغير ذلك ممّا يدعونه من الأمور الحادثة ، واقعا عن طبيعة من الطبائع ، كان ذلك الطبع لا يخلو أن يكون من نفس الجسم المطبوع أو من . . . لقيام الدليل على أن الأجسام كلها من جنس واحد - الجواهر المفردة - أما إن كان ذلك الطبع الذي يؤمنون إليه عرضا من الأعراض فسد إثباته فاعلا من وجوه . . . » « 6 » .
--> ( 1 ) ابن منظور ، لسان العرب ، مادة سبب . ( 2 ) الجويني ، أبو المعالي ، الشامل ، الإسكندرية ، منشأة المعارف ، 1969 م ، ص 678 . ( 3 ) الغزالي ، تهافت الفلاسفة ، تحقيق سليمان دنيا ، القاهرة ، دار المعارف ، 1966 م . ص 239 - 246 . ( 4 ) المرجع والصفحات ذاتها . ( 5 ) راجع العجم ، رفيق ، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية ، بيروت ، دار الفكر اللبناني ، 1993 ، ص 78 - 82 . ( 6 ) الباقلاني ، التمهيد ، ص 40 - 41 .